ابن كثير

126

البداية والنهاية

مغطيا يديك ؟ قال قيل لي لن يصلح منك ما أفسدت . قال فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم وليديه فاغفر " رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن سليمان بن حرب به ( 1 ) . فإن قيل فما الجمع بين هذا الحديث وبين ما ثبت في الصحيحين من طريق الحسن عن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع ، فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات ، فقال الله عز وجل عبدي بادرني بنفسه فحرمت عليه الجنة " . فالجواب من وجوه ، أحدها : أنه قد يكون ذاك مشركا وهذا مؤمن ، ويكون قد جعل هذا الصنيع سببا مستقلا في دخوله النار وإن كان شركه مستقلا إلا أنه نبه على هذا لتعتبر أمته : الثاني : قد يكون هذاك عالما بالتحريم وهذا غير عالم لحداثة عهده بالاسلام . الثالث : قد يكون ذاك فعله مستحلا له وهذا لم يكن مستحلا بل مخطئا . الرابع : قد يكون أراد ذاك بصنيعه المذكور أن يقتل نفسه بخلاف هذا فإنه يجوز أنه لم يقصد قتل نفسه وإنما أراد غير ذلك . الخامس : قد يكون هذاك قليل الحسنات فلم تقاوم كبر ذنبه المذكور فدخل النار ، وهذا قد يكون كثير الحسنات فقاومت الذنب فلم يلج النار بل غفر له بالهجرة إلى نبيه صلى الله عليه وسلم . ولكن بقي الشين في يده فقط وحسنت هيئة سائره فغطى الشين منه فلما رآه الطفيل بن عمرو مغطيا يديه قال له مالك ؟ قال : قيل لي لن يصلح منك ما أفسدت فلما قصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له فقال : " اللهم وليديه فاغفر " أي فأصلح منها ما كان فاسدا . والمحقق أن الله استجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب الطفيل بن عمرو . قصة أعشى بن قيس قال ابن هشام : حدثني خلاد بن قرة بن خالد السدوسي وغيره من مشايخ بكر بن وائل من ( 2 ) أهل العلم أن أعشى بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الاسلام ، فقال يمدح النبي صلى الله عليه وسلم : ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وبت كما بات السليم مسهدا وما ذاك من عشق النساء وإنما * تناسيت قبل اليوم خلة مهددا ( 3 ) ولكن أرى الدهر الذي هو خائن * إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا كهولا وشبانا فقدت وثروة * فلله هذا الدهر كيف ترددا وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع * وليدا وكهلا حين شبت وأمردا

--> ( 1 ) صحيح مسلم ( 1 ) كتاب الايمان ( 49 ) باب حديث 184 . ( 2 ) من ابن هشام ، وفي الأصل : عن . ( 3 ) كذا في الأصل خلة وفي ابن هشام " صحبة " ومهدد : اسم امرأة .